أبو علي سينا

مقدمة الفن السابع 10

الشفاء ( الطبيعيات )

النبات والتربة التي ينمو بها إن كانت ملحة أو غير ملحة ، أو كان ينمو على الماء ، وافتن في ذكر ألوان الأزهار والثمار جافها وطريها ، والأوراق العريضة أو الضيقة ، كاملة الحافة أو مشرفتها . وتتميز كتابة ابن سينا في هذا المجال ، بأمانة العالم ، فهو ينسب الرأي لنفسه ، بقوله « أقول » أو ينسبه إلى ديسقوريدس أو غيره ، فيقول قال فلان . . . وإنه ليتفق مع غيره ، فيبين أوجه الاتفاق أو يختلف معهم في الرأي فيعرض أوجه الخلاف في مهارة وأمانة . ومن خير ما أورده ابن سيناء الأسماء المختلفة لبعض النباتات ، فهذا يسمى بالإغريقية كذا وذلك يسمى كذا ، كما أورد الأسماء المحلية لبعض النباتات ، فهذا النبات يسمى هنا كذا ، ويسمى هناك باسم آخر ، وهذا النبات يأتي من الهند أو من الصين ، كما فرق بين البستاني أو المنزرع والبرى ، وقال إن الأول أكثر مائية من الثاني . وتكلم ابن سينا عن ظاهرة المسانهة في الأشجار والنخيل وغيرها ، وذلك بأن تحمل الشجرة سنة حملا ثقيلا وسنة حملا خفيفا أو تحمل سنة ولا تحمل سنة أخرى ، وأشار إلى اختلاف الرائحة والطعم في النبات ، وهما صفتان يتمايز بهما كثير من النباتات فطن لهما ابن سينا منذ أكثر من ألف عام ، ويعتمد عليهما في تمييز كثير من فصائل النبات وأجناسه وأنواعه ، نظرا لوجود مواد كيميائية خاصة ، كما في نباتات الفصلية القرنية والخيمية والصليبية وغيرها ، وإذن يكون ابن سينا قد سبق « كارل متز » الذي قال بأهمية التشخيص بوساطة العصارة في سنة 1934 . وقد اعتمد ابن سينا في وصفه للنباتات على مصدرين رئيسيين : الأول الطبيعة ، فيصف النبات غضا طريا ، ويتكلم عن طوله وغلظه وورقه وشوكه وزهره وثمره ، مما يتفق وعلم الشكل النباتى الحديث . أما المصدر الثاني ، فهو ما يباع جافا عند العطارين من أخشاب أو قشور أو ثمار أو أزهار مما يتفق وعلم النبات الصيدلي . على أن ابن سينا قد تناول في كتاب الشفاء كثيرا من النظريات والآراء حول تولد النبات ، وذكره وأنثاه ، وأصل مزاجه ، فقال إن النبات قد شارك الحيوان في الأفعال والانفعالات المتعلقة بالغذاء إيرادا على البدن وتوزيعا ، ويكون الغذاء على سبيل جذب الأعضاء منها بالقوة الطبيعية ، ليست عن شهوة جنسية ، وليس له من الغذاء إلا ما ينجذب إليه ، لا عن إرادية كالأعضاء ، فليس هناك شهوة بالحرى إن لم يعط النبات شيئا ، إذ كان لا سبيل له إلا الحرب عن ضار والطلب لنافع ، فكأنه يجعل القول في عمليات الامتصاص وانتقال العصارة وصعودها ، وتوزيعها على أعضاء النبات المختلفة . ثم يقول ، وأبعد الناس عن الحق ، من جعل للنبات مع الحياة عقلا وفهما ، فإذا كان التصرف في الغذاء يسمى حياة حي ، وإن كان من